محمد الغزالي

33

فقه السيرة ( الغزالي )

إنّ الرجال الذي ثبتوا على الحق بعد رحيل نبيهم صلى اللّه عليه وسلم عنهم هم المسلمون حقّا ، فإن الإسلام رباط بمبادئ لا بأشخاص ، وقد علّم اللّه نبيّه وعلّم المسلمين في شخصه أن يلتزموا الحقّ الذي عرفوا ، وأن يتشبثوا به مهما غولبوا وحوربوا . والدنيا طافحة بأسباب الزيغ ، وهي تحاول أولا ألا تبقي للإيمان مكانا بها ، فإذا ظفر بكسب بعد طول عناء ، حاولت أن تلاينه حتى ينزل عن شيء ويكتفي بشيء ، ولو أفلحت في استدراجه إلى هذه المنزلة لأمكنها الإجهاز عليه ، ولذلك جاءت أوامر اللّه في كتابه حاسمة تقضي بأن الإيمان كلّ لا يتجزأ ، وأن مناجزة الكافرين ، على هذه الحقيقة لا يجوز أن تهدأ ، فلا بد من الاستمساك بهذه التعاليم المترابطة ! والحبّ والبغض عليها ، والمسالمة أو المحاربة دونها ، فإن نصيب العاطفة في خدمة العقيدة ، لا يقل عن نصيب العقل . والآيات الواردة في ذلك هي أوامر للمسلمين تنزلت في شكل خطاب للرسول صلى اللّه عليه وسلم : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 1 ) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 2 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا ( 3 ) [ الأحزاب ] . فليس الرسول صلى اللّه عليه وسلم مظنة أن يطيع الكافرين والمنافقين حتى ينبّه إلى التحرّز منهم ، ولكننا نحن المعنيون بهذا الإرشاد . ومن ذلك : وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 ) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [ القصص ] . لقد كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم من بدء دعوته حربا على الشرك ، وعلى الالهة الأخرى ، ومنه تعلّم الناس هذه الخصومة ، ويستحيل أن يتوقّع منه غيرها . ومن ذلك : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) [ الحجر ] . وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 ) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ [ الكهف ] . فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ( 94 ) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 95 ) [ يونس ] .